هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، لذلك يرد الله عليهم بأن هذا الكلام كذب وافتراء تقولونه دون وعي ودون علم {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] يعني: ما هم إلا يكذبون في هذا الادعاء.
{أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}
لماذا يفعلون هذا؟ هل جاءهم بذلك رسول يقول لهم هذا الكلام، أو يجيز لهم أنْ يعبدوا الأصنام {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] يعني: بقوة.
{بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}
إذن: القضية قضية تقليد أعمى دون تفكير أو تأويل، فقالوا {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] يعني: على دين أو على ملَّة أو طريقة مقصودة من الفعل (أمَّ) يعني: قصد {وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم} [الزخرف: 22] على طريقتهم {مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] يعني: هذه الطريقة هي التي تدلنا وتهدينا.
والقرآن الكريم تناول هذه القضية بتفصيل في مواضع أخرى، ففي آية قال سبحانه:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
وفي آية أخرى قال سبحانه:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] .
وتأمل دقة الأداء القرآني في هاتين الآيتين، وكيف خُتمت كل آية بما يناسبها، أولاً تجد أن المعنى العام للآيتين واحد، لكنهم في الأولى قالوا:
{بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170] وفي الأخرى قالوا:
{حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} [المائدة: 104] .
فاستخدموا أسلوب القصر والحصر، وقصروا عبادتهم على ما وجدوا عليه الآباء، فالإعراض في هذه أقوى من الأولى، لذلك جاء ذيل الآية بما يناسب إعراضهم.
ففي الأولى قال تعالى رداً عليهم بهذا الاستفهام التعجبي
{أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] وقال في الأخرى: