وقال - سبحانه - لَذُو فَضْلٍ بالتنكير للإشعار بأنه فضل لا تحيط به عبارة أو وصف.
واسم الإشارة في قوله - تعالى -: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ..
يعود إلى من سبقت صفاته ونعمه وهو الله - عز وجل - .
وذلِكُمُ مبتدأ، وما بعده أخبار متعددة.
أي: ذلكم الذي أعطاكم من النعم ما أعطاكم هو الله - تعالى - ربكم خالق كل شيء في هذا الوجود. لا إله إلا هو في هذا الكون ..
وقوله - تعالى -: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تعجيب من انصرافهم - بعد هذه النعم - عن الحق إلى الباطل، وعن الشكران إلى الكفران.
أي: فكيف تنقلبون عن عبادته - سبحانه - إلى عبادة غيره، مع أنه - عز وجل - هو الخالق لكل شيء، وهو صاحب تلك النعم التي تتمتعون بها.
وقوله - تعالى -: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ بيان لحال الذين وقفوا من نعم الله - تعالى - موقف الجحود والكفران.
ويؤفك هنا: بمعنى القلب والصرف عن الشيء، من الأفك - بالفتح - مصدر أفكه عن الشيء بمعنى صرفه عنه - وبابه ضرب - ومنه قوله - تعالى -: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ... أي: لتصرفنا عن عبادتها.
والمعنى: مثل ذلك الصرف العجيب من الحق إلى الباطل، ينصرف وينقلب كل أولئك الذين انتكست عقولهم، والذين كانوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا يجحدون ويكفرون.
وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر نعمه عن طريق الزمان - الليل والنهار - أتبع ذلك ببيان نعمه عن طريق المكان - الأرض والسماء - فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي: جعل لكم الأرض مكانا لاستقراركم عليها، والسعى فيها.
وَالسَّماءَ بِناءً أي: وجعل لكم السماء بمنزلة القبة المبنية المضروبة فوق رءوسكم، فأنتم ترونها بأعينكم مرفوعة فوقكم بغير عمد.
قال الآلوسي قوله: وَالسَّماءَ بِناءً أي: قبة، ومنه أبنية العرب لقبابهم التي تضرب.
وإطلاق ذلك على السماء على سبيل التشبيه، وهو تشبيه بليغ. وفيه إشارة لكرويتها. وهذا بيان لفضله - تعالى - المتعلق بالمكان بعد بيان فضله المتعلق بالزمان.