والمعنى: وما يستوي المحسن والمسيء؛ أي: الصالح والطالح، فلا بد أن يكون لهم حالة أخرى، يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت، وهي فيما بعد البعث وهو احتجاج آخر على حقيقة البعث والجزاء، وزيادة {لَا} في المسيء؛ لتأكيد النفي لطول الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين، ولأنّ المقصود نفي مساواته للمحسن, لأنه كما لا يساوي المحسن المسيء فيما يستحقه المسيء من المهانة والحقارة، كذلك لا يساوي المسيء المحسن فيما يستحقه المحسن من الفضل والكرامة.
والعاطف في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير، مع أنَّ المجموع؛ أي: مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المسيء والمحسن، لتغاير الوصفين؛ يعني: أن المقصود في الأولين إلى العلم، فإن العمى والبصيرة في القلب، وفي الأخيرين إلى العمل, لأن الإيمان والأعمال في الجوارح، وإلا ففي الحقيقة المراد بالبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات واحد، وبالأعمى والمسيء واحد، ويجوز أن يراد الدلالة بالصراحة والتمثيل على أن يتحد الوصفان في المقصود، بأن يكون المراد بالأولين أيضًا: المحسن والمسيء، فالصراحة بالنسبة إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء، والتمثيل بالنسبة إلى ما قبله، فإن الأعمى والبصير من قبيل التمثيل. {قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ} {مَا} : زائدة لتأكيد معنى القلة، و {قَلِيلًا} : مفعول مطلق على أنه صفة لموصوف محذوف؛ أي: تتذكرون تذكرًا قليلًا أيها الكفار المجادلون؛ يعني: وإن كنتم تعلمون أن التبصر خير من الغفلة، ولا يستويان، وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد، لكنكم لا تتذكرون إلا تذكرًا قليلًا، أو لا تتذكرون أصلًا، فإنه قد يعبّر بقلة الشيء عن عدمه، مثل: أن يقال: فلان قليل الحياء، أي: لا حياء له.