وقد جاءت هذه المطالب كلها في قوله سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) } [آل عمران: 193، 194] .
فقوله سبحانه: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} لطلب دفع الشر الموجود، فإن الذنوب والسيئات شر.
وقوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) } لطلب دوام الخير الموجود وهو الإيمان.
فهذان قسمان:
ثم قال: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} فهذا طلب الخير المعدوم أن يؤتيهم إياه.
ثم قال: {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فهذا طلب ألا يوقع بهم الشر المعدوم.
وهذا غاية الحسن في الطلب، فقدم اللذين في الدنيا وهما المغفرة، ودوام الإسلام، ثم أتبعه بما في الآخرة أن يعطوا ما وعدوه، وأن لا يخزيهم يوم القيامة بدخول النار.
وما يحتاج العباد قسمان:
أحدهما: ما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا لا يطلب إلا منه سبحانه، فهو القادر عليه وحده دون سواه مثل:
غفران الذنوب .. وهداية القلوب .. وإنزال المطر .. وإنبات النبات .. وشفاء المرض .. ونحو ذلك من جلب المنافع .. ودفع المضار.
الثاني: ما يقدر عليه الناس، فيستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من النصر والعون، والبذل والعطاء، ونحو ذلك.
فالأول لا يطلب إلا من الله وحده، ومن طلبه من غيره فقد أشرك، والثاني يطلب من الله ومن غيره ممن يقدر عليه.