إنه دعاء القلب الذي عرف الله وعرف ما عنده فأصبح يحتقر ما عداه كما قال إبراهيم - صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } [الشعراء: 83 - 89] .
وفي مقام آخر: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) } [البقرة: 127، 128] .
والله تبارك وتعالى خلق الناس فقراء كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر: 15] .
فالخلق كلهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه:
فقراء إلى الله في خلقهم، فلولا خلقه لهم لم يوجدوا.
فقراء إلى الله في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح.
فقراء إلى الله في إمدادهم بالأقوات والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة.
فقراء إلى الله في جلب المنافع لهم، وصرف النقم والمكاره عنهم.
فقراء إلى الله في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم.
فقراء إلى الله في تألههم لله، وحبهم له، وعبادتهم إياه.
فالخلق كلهم فقراء إلى الله بالذات، فلو لم يوفقهم لهلكوا، ولولا توفيقه لم يصلحوا، والله وحده له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال ذاته وأسمائه وصفاته.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بسؤاله تارة .. وبسؤال أهل الذكر تارة.