وأما النصب بعد الفاء في جواب الترجي فشيء أجازه الكوفيون ومنعه البصريون ، واحتج الكوفيون بهذه القراءة وبقراءة عاصم ، فتنفعه الذكرى في سورة عبس ، إذ هو جواب الترجي في قوله: {لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى} وقد تأولنا ذلك على أن يكون عطفاً على التوهم ، لأن خبر لعل كثيراً جاء مقروناً بأن في النظم كثيراً ، وفي النثر قليلاً.
فمن نصب ، توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبراً كان منصوباً بأن ، والعطف على التوهم كثير ، وإن كان لا ينقاس ، لكن إن وقع شيء وأمكن تخريجه عليه خرج ، وأما هنا ، فأطلع ، فقد جعله بعضهم جواباً للأمر ، وهو قوله: {ابن لي صرحاً} ، كما قال الشاعر:
يا ناق سيري عنقاً فسيحاً ...
إلى سليمان فنستريحا
ولما قال: {فأطلع إلى إله موسى} ، كان ذلك إقراراً بإله موسى ، فاستدرك هذا الإقرار بقوله: {وإني لأظنه كاذباً} : أي في ادعاء الإلهية ، كما قال في القصص: {لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين} {وكذلك} أي مثل ذلك التزيين في إيهام فرعون أنه يطلع إلى إله موسى.
{زين لفرعون سوء عمله} .
وقرأ الجمهور: {زين لفرعون} مبنياً للمفعول ؛ وقرئ: زين مبنياً للفاعل.
وقرأ الجمهور: {وصد} مبنياً للفاعل: أي وصد فرعون ؛ والكوفيون: بضم الصاد مناسباً لزين مبنياً للمفعول ؛ وابن وثاب: بكسر الصاد ، أصله صدد ، نقلت الحركة إلى الصاد بعد توهم حذفها ؛ وابن إسحاق ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة ، بفتح الصاد وضم الدال ، منونة عطفاً على {سوء عمله} .
والتباب: الخسران ، خسر ملكه في الدنيا فيها بالغرق ، وفي الآخرة بخلود النار ، وتكرر وعظ المؤمن إثر كلام فرعون بندائه قومه مرتين ، متبعاً كل نداء بما فيه زجر واتعاظ لو وجد من يقبل ، وأمر هنا باتباعه لأن يهديهم سبيل الرشاد.
وقرأ معاذ بن جبل: بشد الشين ، وتقدم الكلام على ذلك.