فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ لَعَلِّي أَبْلُغُ مِنْ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ أَسْبَابًا أَتَسَبَّبُ بِهَا إِلَى رُؤْيَةِ إِلَهِ مُوسَى، طُرُقًا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ مِنْهَا، أَوِ أَبْوَابًا، أَوْ مَنَازِلَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى}
اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {فَأَطَّلِعَ} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: (فَأَطَّلِعُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ: رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: {أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} وَعَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ وَذُكِرَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ قَرَأَ {فَأَطَّلِعَ} نَصْبًا جَوَابًا لَلَعَلِّي، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ أَنْشَدَهُ:
[البحر الرجز]
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أَوْ دُولَاتِهَا
يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا
فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا
فَنَصَبَ فَتَسْتَرِيحَ عَلَى أَنَّهَا جَوَابٌ لِلَعَلَّ،
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا الرَّفْعُ فِي ذَلِكَ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}
يَقُولُ: وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي مِنْ أَنَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ رَبًّا أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا
وَقَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ}
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَكَذَا زَيَّنَ اللَّهُ لِفِرْعَوْنَ حِينَ عَتَا عَلَيْهِ وَتَمَرَّدَ، قَبِيحَ عَمَلِهِ، حَتَّى سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ بُلُوغَ أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ، لَيَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَقَوْلُهُ: {وَصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} بِضَمِّ الصَّادِ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ
عَنْ قَتَادَةَ، {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} قَالَ: «فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ، زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ»
وَقَرَأَ ذَلِكَ حُمَيْدٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ (وَصَدَّ) بِفَتْحِ الصَّادِ، بِمَعْنَى: وَأَعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّتِي ابْتَعَثَ بِهَا مُوسَى اسْتِكْبَارًا
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.