ثم بين أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد، فقال: {مَا لِلظَّالِمِينَ} ؛ أي: ما للكافرين في ذلك اليوم {مِنْ حَمِيمٍ} ؛ أي: قريب مشفق {وَلَا} من {شَفِيعٍ يُطَاعُ} ؛ أي: ولا من شفيع مشفع على معنى نفي الشفاعة والطاعة معًا، وعلى أن يطاع مجاز عن يجاب وتقبل شفاعته؛ لأن المطيع في الحقيقة يكون أسفل حالًا من المطاع، وليس في الوجود من هو أعلى حالًا من الله تعالى، حتى يكون مطاعًا له تعالى، وفي الآية بيان أن لا شفاعة في حق الكفار؛ لأنها وردت في ذمهم، وإنما قال: {لِلظَّالِمِينَ} موضع للكافرين، وإن كان أعم منهم ومن غيرهم من العصاة بحسب الظاهر، تسجيلًا لهم بالظلم، ودلالة على اختصاص انتفاء كل واحد من الحميم والشفيع المشفع بهم، فثبت أن لعصاة المسلمين حميمًا وشفيعًا، وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء والمرسلين والأولياء المقربين والملائكة أجمعين.
والمعنى: أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله قريب ينفعهم، ولا شفيع تقبل شفاعته لهم، بل تقطّعت بهم الأسباب من كل خير.
19 -ثم وصف سبحانه شمول علمه بكل شيء وإن كان في غاية الخفاء، فقال: {يَعْلَمُ} سبحانه {خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} ؛ أي: النظرة الخائنة للأعين، وإسناد الخيانة إلى النظرة مجاز؛ لأن الخائن هو الناظر، أو المعنى: يعلم سبحانه خائنة الأعين؛ أي: خيانة الأعين واستراقها النظر على أنها مصدر كالعافية، كقوله تعالى: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} ؛ أي: خيانة منهم، والخيانة: مخالفة الحق، بنقض العهد في السر، ونقيضها الأمانة، والمراد هنا: استراق النظر إلى غير المَحْرم، كفعل أهل الريب والنظرة الثانية إليه.
وفي الخبر:"يا ابن آدم، لك النظرة الأولى معفوة"لوقوعها مفاجأةً دون الثانية، لكونها مقارنة للقصد وهي منْ قبيل زنى النظر، وذلك لأن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، والنظرة تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنةً.
والمعنى: أي يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما نظرت به إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب.