وفي الحديث:"بعثت أنا والساعة كهاتين، إن كادت لتسبقني"والإشارة بهاتين: إلى السباسة والوسطى؛ يعني أن ما بيني وبين الساعة بالنسبة إلى ما مضى من الزمان، مقدار فضل الوسطى على السبابة، شبه القرب الزماني بالقرب المساحي؛ لتصوير غاية قرب الساعة.
وجملة قوله: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} : بدل من {يَوْمَ الْآزِفَةِ} فإن القلوب ترتفع عن أماكنها من شدة الفزع، فتكون عند الحناجر، جمع حنجرة، وهي: الحلقوم؛ أي: وأنذرهم يوم الآزفة، إذ تزول القلوب عن أماكنها، وترتفع من شدة الفزع إلى الحلقوم، فتلتصق بها، فلا تعود إلى أماكنها، فيستروحوا ويتنفّسوا ولا تخرج فيستريحوا بالموت، وقيل: ينتفخ السحر؛ أي: الرئة؛ خوفًا، فيرتفع القلب إلى الحنجرة حال كون أصحاب تلك القلوب {كَاظِمِينَ} ؛ أي: مغمومين يتردد الغيظ في أجوافهم، فلا يمكنهم أن ينطقوا ويظهروا خوفهم، فهو حال من أصحاب القلوب على المعنى، إذ الأصل إذ قلوبهم لدى حناجرهم، بناء على أن التعريف اللامي بدل من التعريف الإضافي، يقال: كظم غيظه: إذا ردّ غضبه وحبسه في نفسه بالصبر وعدم إظهار الأثر.
والمعنى: حال كونهم كاظمين صابرين على الغم والكربة، ساكتين حال امتلائهم بهما؛ يعني لا يمكنهم أن ينطقوا ويصرّحوا بما عندهم من الحزن والخوف من شدة الكربة وغلبة الغمّ عليهم، فقوله: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ} : تقرير للخوف الشديد، وقوله: {كَاظِمِينَ} : تقرير للعجز عن الكلام، فإن الملهوف إذا قدر على الكلام، وبث الشكوى .. حصل له نوع خفة وسكون، وإذا لم يقدر عظم اضطرابه واشتدّ حاله.
والخلاصة: أن ذلك اليوم يعظم فيه الخوف، حتى يخيل أن القلوب قد شخصت من الصدور، وتعلقت بالحلوق، فيرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم، فلا هي ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم، فيموتوا.