ثم ذكر ما يقال عند بروز الخلق للحساب والجزاء فقال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} يعني: يوم القيامة، جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟ فقيل: يقال: لمن الملك اليوم؛ يعني يوم القيامة، فلا يجيبه أحد، فيجيب تعالى نفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} وقيل: ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ فيجيب ذلك المنادي بعينه ويقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أو يجيبه أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم؛ لحصول العلم الضروري بالوحدانية للكافر أيضًا، لكن الكافر يقوله صغارًا وهوانًا وعلى سبيل التحسر والندامة، والمؤمن ابتهاجًا وتلذذًا.
وهذا يسمى سؤال التقرير،
فَإِنْ قُلْتَ: كيف خص ذلك بيوم مخصوص، والملك لله في جميع الأيام والأوقات.
قلت: هو وإن كان لله في جميع الأيام، إلا أنه سبحانه ملك عباده في الدنيا،
ثم تكون دعاويهم منقطعة يوم القيامة، لا يدعي مدع مُلكًا ومِلكًا يومئذ، ولذا قال - سبحانه وتعالى -: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} .
والمعنى على الأول: أي يقول الرب تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} فلا يجيبه أحد، فيجيب سبحانه، فيقول {لِلَّهِ} ؛ أي: هو {لِلَّهِ الْوَاحِدِ} في ذاته وصفاته وأفعاله، الذي لا مثل له ولا ند {الْقَهَّارِ} لكل شيء سواه بقدرته، الغالب بعزته.
17 -وبعد أن ذكر صفات قهره في ذلك اليوم .. أردفها ببيان صفات عدله وفضله، فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} من تمام الجواب على القول: بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم؛ أي: يقول الله سبحانه في هذا اليوم الرهيب: تجزى كل نفس من النفوس المكلفة، برةً أو فاجرةً بما كسبت من خير أو شر، لا ظلم اليوم على أحد منهم بنقص ثواب، أو زيادة عذاب.
والمعنى: أي اليوم يثاب كل عامل بعمله فيلاقي أجره، ففاعل الخير يجزى الخير، وفاعل الشر يجزى بما يستحق، ولا يبخس أحد ما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنًا، ولا يحمل على مسيء إثم ذنب لم يعمله.