تحكى هذه الآية لونًا من سلوك الإنسان الذي لم يتمكن من قلبه دين يهديه، ولم يتوفَّر فيه عقل يرشده، ولا تحكمه قيم أو تقيده، فتضطرب أحواله، وتختلف نزعاته، وينعكس ذلك على سلوكه.
ويتمثل سلوكه تارة في عقيدته، وتارة في أحواله وتصرفاته، فإذا أصابته ضراء أو نزل به مكروب عرف الله ولجأ إليه بالدعاء، ثم إذا كشف الله ضره، ورفع كربه نسى ما كان يدعو إليه، وعاد لما كان عليه من الزعم بأنه أوتيه على علم.
وهذه الآية التي بين أيدينا تحكى كفر الإنسان بالنعمة طغيانًا واستعلاء.
والمعنى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا} أي: إذا أصاب الإنسان ضر في مال أو أهل أو عافية أو غير ذلك من الكوارث - إذا أصابه شيءٌ من ذلك - دعانا وحدنا ولجأ إلينا ولم يدع لكشف ضره، ودفع شره سوانا، ملحًّا في الدعاء، مستمرًّا في الرَّجاء، ثم إذا تجلَّينا عليه بالإجابة، وأعطيناه سؤله، وملكناه وخوَّلناه منَّا نعمة تعاظم وتعالى، وادعى لنفسه القدرة والجدارة وقال: إنما أوتت ما أوتيته على علم عندي بوجوه الكسب ومهارة في التصرف واستحقاق للنعمة، ناسيًا فضل الله عليه، وتضرعه إليه، ولم تكن مقالته
هذه عن حق أو عقل (بل هي فتنةٌ) وابتلاء ومحنة، وكفر بالنعمة، ولكن هؤلاء المذكورين لا يعلمون أن ما يجري عليهم من النعم اختبار من الله يتمحص به الشاكر والكافر، والحامد والجاحد، أوْ لا يعلمون سبل الإخلاص، ووسائل النجاة.
وفي قوله تعالى: {لَا يَعْلَمُونَ} بصيغة الجمع، مع الإفراد قبله - فيه - دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، وأن أكثره يسلك هذا السبيل.
وصدرت هذه الآية بالفاء دون الواو لترتبها على حال سابقة من مناقضتهم، وتعكيسهم في التسبب حيث يشمئزون إذا ذكر الله وحده، ويستبشرون بذكر آلهتهم مع الله أو فرادى فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره وضاقوا باسمه دون من استبشروا بذكره وهشُّوا له.
50 - {قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} :