أي: قد قال هذه المقالة وهي: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} الذين تقدموهم، وسبقوا أيامهم وأزمانهم، فلم تكن مقالتهم بدعًا، ولا كفرهم حدثًا - قال هذه المقالة: قارون موسى الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، فلما طلب منه أن يبتغى الدار الآخرة مع دنياه اعترافًا للمنعم، وشكرًا للنعمة {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} .
وقالها فرعون تألُّهًا وتجبُّرًا: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} وتطاول على مقام النبوَّة فقال في شأن موسى - عليه السلام: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} .
وقال النمرود في محاجة إبراهيم - عليه السلام: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} . وهكذا كانت النعم على طول الزمن سبيلًا للإنسان إلى التجبر والطغيان. وصدق الله العظيم إذ يقول: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} ، وقوله تعالى: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} معناه: فما دفع عنهم ولا أفادهم ما كانوا يجمعونه في الدنيا، ويحرصون على كسبه، ما أغنى عنهم ذلك ولا دفع ما نزل بهم من العذاب، مما ينبيء عنه قوله تعالى:
51 - {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} :
والمعنى: فأصاب هؤلاء جزاء سيئات ما كسبوه، فأغرق الله فرعون وجنوده، وخسف بقارون وبداره الأرض، والذين أفرطوا في الظلم من هؤلاء المشركين، وأسرفوا في العباد
سيصيبهم في الآخرة جزاء سيئاتهم، وعقاب ظلمهم وإشراكهم، فوق ما أصابهم أشد إصابة في الدنيا من القحط والقتل والذل والهوان، فقد قحطوا عدة سنين، ولقوا ما لقوا من القتل والأسر يوم بدر، ومن الذُّل والهوان يوم فتح مكة، حيث دانوا للإسلام، وتحطمت كبرياؤهم.
{وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي: بفائتين ولا ناجين من العذاب في الآخرة كما وقع بهم في الدنيا.