قوله: {قُلِ الله أَعْبُدُ} : قُدِّمَتِ الجلالةُ عند قومٍ لإِفادةِ الاختصاصِ . قال الزمخشريُّ:"ولدلالتِه على ذلك قَدَّمَ المعبودَ على فِعْلِ العبادةِ هنا ، وأَخَّره في الأول ، فالكلامُ أولاً واقعٌ في الفعل نفسِه وإيجادِه ، وثانياً فيمن يفعلُ الفعلَ مِنْ أجلِه ، فلذلك رَتَّبَ عَليه قولَه: {فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} ".
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)
قوله: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} : يجوزُ أَنْ يكونَ الخبرُ أحدَ الجارَّيْنِ المتقدِّمَيْنِ ، وإن كان الظاهرُ جَعْلَ الأولِ هو الخبرَ ، ويكون"مِنْ فوقِهم"إمَّا حالاً مِنْ"ظُلَل"فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ، وإمَّا متعلقاً بما تعلَّق به الخبرُ ، و"مِن النار"صفةٌ ل"ظُلَل". وقوله: {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} كما تقدَّم ، وسَمَّاها ظلالاً بالنسبة لمَنْ تَحْتهم .
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)
قوله: {أَن يَعْبُدُوهَا} : الضميرُ عائدٌ على الطاغوتِ لأنها تُؤَنَّثُ ، وقد تقدَّم القولُ عليها مستوفىً في البقرة . و"أَنْ يعبدوها"في محلِّ نصبٍ على البدل من الطاغوت بدلِ اشتمالٍ ، كأنه قيل: اجْتَنِبُوا عبادةَ الطاغوتِ . والموصولُ مبتدأٌ . والجملةُ مِنْ"لهم البشرى"الخبرُ . وقيل:"لهم"هو الخبرُ بنفسِه ."والبُشْرى"فاعلٌ به وهذا أَوْلَى لأنه مِنْ بابِ الإِخبار بالمفرداتِ . وقوله:"فبَشِّرْ عبادي"من إيقاع الظاهرِ مَوْقِعَ المضمرِ أي: فبَشِّرْهُمْ أي: أولئك المجتَنبين ، وإنما فُعِلَ ذلك تصريحاً بالوصفِ المذكور .