لذلك تجد الكذاب يحب الصادق، والشرير يحب الخيِّر الشريف وضربنا مثلاً لذلك بثلاثة من الشباب بالمراهقين الذين يسيرون في الحياة على (حَلٍّ شعرهم) ، ويسلكون الطريق البطال، واحد منهم تاب الله عليه واعتزلهم، فراحوا يسخرون منه ويصفونه بالجردل والقفل .. الخ. ثم أراد واحد منهما أنْ يزوج أخته، لمن يُزوجها لزميله الذي يوافقه على الشر والفساد، أم للآخر الذي تاب واعتزل شرهم؟ إذن: قد يُغريك الباطلِ، لكن لا بُدَّ في النهاية أنْ يغلب الحق، وأنْ يظهر ويعلو، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} [الزمر: 37] فاصبر على طريقه.
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ}
أراد الحق سبحانه أنْ يُسفِّه أحلامهم في أنْ يعبدوا أصناماً، وأراد سبحانه أنْ يقيم عليهم الدليل والحجة على بطلان هذه العبادة، وأنْ يكون هذا الدليلُ إقراراً منهم لا خبراً منه سبحانه، وقلنا: إن إثبات الحكم إما أن يكون خبراً منك، أو إقراراً من المقابل. والإقرار - كما قلنا - سيد الأدلة، وأنت لا تترك للمخاطب أنْ يحكم هو إلا إذا كنت واثقاً أنه سيقول ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك: ألم أُحْسن إليك يوم كذا وكذا؟ لا تقولها إلا وأنت واثقٌ أنه لا يستطيع أنْ ينكر.
لذلك فالحق سبحانه يسألهم هنا عن عمدة الكون في الخَلْق أو الظرف الأعلى الذي يحوي المخلوقات كلها وهو السماوات والأرض، فالإنسان خُلِق له الكون قبل أنْ يُخلق، فطرأ على أرض فيها زرع ونبات وماء وهواء وتربة صالحة، وطرأ على سماء فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر.
فقال سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ..} [الزمر: 38] لا بدّ أنْ يقولوا الله، والله وحده لأنهم أداروا فكرهم فلم يجدوا أحداً ادعى هذا الخَلْق، ولم يأتِ ببال أحد من الكافرين أو المعاندين أو المنكرين لوجود الله لم يأت على باله أنْ يدّعي هذا الادعاء.