ونقف هنا عند هذه المقابلة في قوله تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} [الزمر: 36 - 37] الضَّالُّ هو الذي لا يهتدي لغايته، كالذي ضَلَّ الطريق لا يدري أين يتجه، هذا ضَالٌّ عن غير قصد للضلال لأنه لا يعرف.
وجاء ضَالّ بمعنى متردد حائر، في قوله تعالى مُخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم:
{وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] لأن النبي رأى أمته تفعل أشياء لا تعجبه، وهو ما يزال لا يعرف الصواب الذي ينبغي فِعْله، أي: لا يعرف الحقيقة، لا أنه يعرف ومنصرف عنها، وفَرْقٌ بين الحالتين. إذن: الضلال هنا غير مقصود.
ويأتي الضلال بمعنى النسيان، كما في قوله تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282] .
ومن الضلال أنْ ننسى العهد الفطري القديم الذي أخذه الله علينا في قوله سبحانه:
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] .
ومقابل الضلال الهداية، وهي أيضاً تأتي بمعَانٍ متعددة، لكن الذين يتوركون على كلام الله، ويريدون أنْ يعترضوا عليه يأخذونها على معنى واحد، يديرونه على كل موضوعاتها، لكن هذا لا يصح.
فالهداية تُطلَق على الدلالة المطلقة، يعني يدلك وأنت حُرٌّ تطيعه أو تعرض عنه.
وضربنا مثلاً لذلك برجل المرور الذي يُرشدك ويدلّك على الطريق، بعدها أنت حر تسلك أو لا تسلك، فإنْ سلكتَ الطريق الذي دلّك عليه وشكرته على معروفه، وقلت له: كثر الله خيرك لولاك لَضللتُ الطريق، فإنه ينظر إليك نظرة أخرى، ويراك أهلاً للمزيد من الخير. فيقول لك: والله أنت رجل طيب، وسوف أسير معك حتى تمرّ من هذه المنطقة لأن فيها أخطاراً، وهذه تُسمَّى المعونة، فالذي يؤمن بمَنْ هدى ودلَّ أهلٌ لأنْ يُعان، وأنْ يُوفق للمزيد من الهداية.
وهذا معنى قول الله تعالى:
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] يعني: زادهم بمعونتهم وتخفيف مشاقّ الطاعة عليهم، وصَرْف أسباب الشر عنهم. إذن: فالأُولَى: هداية دلالة مطلقة. والثانية: هداية إعانة وتوفيق.
وهاتان الهدايتان أوضحهما الحق سبحانه في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال في الأولى: