ولمّا ألقمهم الله بهذه الحجة الحجَرَ وقطَعهم فلا يُحيروا ببنْت شَفَة أَمَر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ، وإنما أعيد الأمر بالقول ولم يَنتظِمْ {حسبي الله} في جملة الأمر الأول ، لأن هذا المأمور بأن يقوله ليس المقصود توجيهه إلى المشركين فإن فيما سبقه مَقنَعاً من قلة الاكتراث بأصنامهم ، وإنما المقصود أن يكون هذا القول شِعَارَ النبي صلى الله عليه وسلم في جميع شؤونه ، وفيه حَظ للمؤمنين معه حاصل من قوله: {عليه يتوكل المتوكلون} قال تعالى: {يا أيها النبي حسبك اللَّه ومن اتبعك من المؤمنين} [الأنفال: 64] ، فإعادة فعل قل للتنبيه على استقلال هذا الغرض عن الغرض الذي قبله.
والحسْب: الكافي.
وتقدم في قوله تعالى: {وقالوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل} في [آل عمران: 73] .
وحُذف المتعلِّق في هذه الجملة لعموم المتعلِّقَات ، أي حسبيَ الله من كل شيء وفي كل حال.
والمراد بقوله اعتقادُه ، ثم تذكُّرُه ، ثم الإِعلانُ به ، لتعليم المسلمين وإغاظة المشركين.
والتوكل: تفويضُ أمور المفوِّض إلى من يَكفيه إياه ، وتقدم في قوله: {فإذا عزمت فتوكل على اللَّه إن اللَّه يحب المتوكلين} في سورة [آل عمران: 159] .
وجملة عليه يتوكل المتوكلون يجوز أن تكون مما أُمر بأن يقوله تذكراً من النبي صلى الله عليه وسلم وتعليماً للمسلمين فتكون الجملة تذييلاً للتي قبلها لأنها أعمّ منها باعتبار القائلين لأن {حسبي الله} يؤول إلى معنى: توكلت على الله ، أي حَسبي أنا وحسب كل متوكل ، أي كل مؤمن يعرف الله حق معرفته ويعتمد على كفايته دون غيره ، فتعريف {المتوكلون} للعموم العرفي ، أي المتوكلون الحقيقيون إِذ لا عبرة بغيرهم.