وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ وَعِلِّيُّونَ لِلْأَبْرَارِ»
فَلِهَذَا السَّبَبِ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالرَّابِعُ: أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَأَهْلَ النَّارِ يُسَاقُونَ إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِسَوْقِ أَهْلِ النَّارِ طَرْدُهُمْ إِلَيْهَا بِالْهَوَانِ وَالْعُنْفِ كما يفعل بالأسير إذ سِيقَ إِلَى الْحَبْسِ وَالْقَيْدِ، وَالْمُرَادُ بِسَوْقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوْقُ مَرَاكِبِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَّا رَاكِبِينَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ السَّوْقِ إِسْرَاعُهُمْ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالرِّضْوَانِ كَمَا يُفْعَلُ بِمَنْ يُشَرَّفُ وَيُكَرَّمُ مِنَ الْوَافِدِينَ عَلَى الْمُلُوكِ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ السَّوْقَيْنِ.
(حَتَّى إِذا جاءُوها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ(73)
«فَإِنْ قِيلَ» : قَالَ في أَهْلِ النَّارِ (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) بِغَيْرِ الْوَاوِ، وَقَالَ هَاهُنَا بِالْوَاوِ فَمَا الْفَرْقُ؟
قُلْنَا الْفَرْقُ أَنَّ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ لَا تُفْتَحُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ أَهْلِهَا فِيهَا، فَأَمَّا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَفَتْحُهَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَى وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) [ص: 50] فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالْوَاوِ كَأَنَّهُ قِيلَ: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا.
* «فَإِنْ قِيلَ» : فَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هُوَ الشَّرْطُ فَأَيْنَ الْجَوَابُ؟
قُلْنَا فِيهِ وَجْهَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَذْفِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ بَلَغَ فِي الْكَمَالِ إِلَى حَيْثُ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْجَوَابَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ) وَالْوَاوُ مَحْذُوفٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ
(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ(74)