وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ خَبِيثَةَ الْجَوْهَرِ كَدِرَةَ الْعُنْصُرِ بَعِيدَةً عَنْ مُنَاسَبَةِ الرُّوحَانِيَّاتِ شَدِيدَةَ الْمَيْلِ إِلَى الطَّبَائِعِ الْبَهِيمِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَهَا لِذِكْرِ اللَّهِ يَزِيدُهَا قَسْوَةً وَكُدُورَةً، وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ الْفَاعِلَ الْوَاحِدَ تَخْتَلِفُ أَفْعَالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ كَنُورِ الشَّمْسِ يُسَوِّدُ وجه القصار ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس وَتُعَقِّدُ الْمِلْحَ، وَقَدْ نَرَى إِنْسَانًا وَاحِدًا يَذْكُرُ كَلَامًا وَاحِدًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَيَسْتَطِيبُهُ وَاحِدٌ وَيَسْتَكْرِهُهُ غَيْرُهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اخْتِلَافِ جَوَاهِرِ النُّفُوسِ، وَمِنِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ تِلْكَ النُّفُوسِ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) وَكَانَ قَدْ حَضَرَ هُنَاكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله عليه السّلام إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) قَالَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) [الْمُؤْمِنُونَ: 12 - 14]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اكْتُبْ فَهَكَذَا أُنْزِلَتْ»