وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام غَيْرَ ثَلاَثِ كَذِبَاتٍ ، اثْنَتَيْنِ فِي ذَاتِ الله": قوله:"إِنّي سَقِيمٌ"، وقوله:"بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا"، وقوله في سارة:"هِيَ أُخْتِي".
ثم قال: {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ} أي: مضوا عنه خوفاً أن يعديهم السقم الذي ذكر أنه به ، وذلك أنهم كانوا يفرون من الطاعون .
ثم قال: {فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ} إي: مال إليها بعدما خرجوا عنه ، {فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ} .
في الكلام معنى التعجب ، وفي الكلام حذف ، والتقدير: فقرب إليها طعاماً فلم تأكل ، فقال لها: ألا تأكلون ، فلم تجاوبه ، فقال: ما لكم لا تنطقون ؟ مستخفاً بها مستهزئاً.
وقيل: إنهم جعلوا لآلهتهم الطعام قبل أن ينصرفوا عنه ، فلما انصرفوا ورآها لا تأكل قال: ألا تأكلون ، فلما لم تكلمه قال: ما لكم لا تنطقون ؟ وإنما خاطبها مخاطبة من يعقل ، لأنهم أجروها في العبادة وجعل الطعام لها مجرى من يعقل.
ثم قال: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين} .
روي أنه أخذ فأساً/ فضرب بها حافتيها ثم علقها في عنق[أكبرها/.
و {باليمين} : بالقوة.
وقيل: باليمين: بقسمه في قوله: {وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء: 57] بعد أن تولوا مدبرين ، فبر بيمينه بفعله .
وقال (ابن) عباس: جعل يضربها بيمينه ، ليقيم عليهم الحجة بأن الأصنام إذا كانت لا تنفع أنفسها فتدفع الضر عن أنفسها فهي أبعد من ألا تنفع غيرها ، فعبادة من لا ينفع نفسه ولا غيره من أعظم الخطأ وأبينه.
ثم قال: {فأقبلوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} أي: يمشون سراعاً.
يقال: زَفَّ يَزِفُّ زَفِيفاً ، إذ أسرع ، وأصله من زفيف النعام ، وذلك أول عدوه . قال ابن زيد:"يزفون": يستعجلون.
ومن قرأ بضم الياء فمعناه: جعلوا أنفسهم يسرعون.