وأخطأ من أوّل هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا.
وقال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ فقال: نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه. قال: ليس عن هذا أسألك.
قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه، فقال الحسن: والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا، فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه.
وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت:
أذلّني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
قال: فأخرج دواة وقرطاسا، وكتب البيت، فقيل له:
أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران، فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة.
وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان يغني على شرابه بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأخذه العسس ليلة وحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته، واستوحش له، فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال؟
قالوا: أخذه العسس، وهو في الحبس، فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع إذنه، وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك، فأقبل عليه عيسى بن موسى، وسأله عما جاء بسببه، فقال:
أصلح الله الأمير: إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا، فوقع في حبسه، فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة، فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له، فلما رآه أبو حنيفة قال له: هل أضعناك يا فتى؟ يعرض له بشعره الذي ينشده، قال: لا والله ولكنك بررت وحفظت.
وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس، وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا، وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين. قيل: إنه وقفت عليه امرأة يوما وحوله التلاميذ، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد