وأما في قوله «سَنُرِيهِمْ» الأمر منسوباً إلى المفيد المسمع فذكر أولاً الآفاق، فإن لم يفهموه فالأنفس، لأن دلائل الأنفس لا ذهول للإنسان عنها، وأما دلائل الآفاق فيمكن الذهول عنها، وهذا الترتيب مراعىً في قوله تعالى: {الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] أي يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال ويتفكرون في خلق السماوات والأرض بدلائل الآفاق.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفائدة في قوله هاهنا: {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس} وقال من قبل: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} ؟
فالجَوابُ: فائدته أنه من قبل لم يذكر دليلاً على الأصلين وهاهُنَا قَدْ ذكر الدلائل الراسخة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر من الإيمان قبل الدليل فبعد الدليل لا بد (أن يؤمن) من ذلك الأكثر جمع فلا يبقى الأكثر كما هو، فقال بعد إقامة الدليل وإنَّ كَثِيراً، وقال قبله: {ولكن أكثر الناس} لأنه بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه وهو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه، والأرض التي تحته، فلهذا ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم،
وحكاية أشكالهم فقال: {أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ} .
{أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ}
وقال في الدليلين المتقدمين «أَوَلَمْ يَرَوا» «أَوَلَم يَتَفَكَّروا» إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض، وقال ههُنا «أوَ لَمْ يَسِيرُوا فينظروا» ذكرهم بحال أمثالهم، ومآل أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك، لأن من تقدم من «عَادٍ وَثُمودَ» كانوا أشدّ منهم قوة، ولم ينفعهم قُوَاهم وكانوا أكثر مالاً وعمارةٌ، ولم يمنعهم من الهلاك أَموالُهُمُ وحُصُونُهُمْ.