الرابع: أن الابتداء من قبيل التفضل الذي لا مقتضي لوجوبه، والإعادة من قبيل الواجب؛ لأنها لا بدّ منها لجزاء الأعمال. وجزاؤها واجب بحكم وعده سبحانه وتعالى.
[844] فإن قيل: ما معنى قوله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً) [الروم: 39] ، الآية؛ على اختلاف القراءتين بالمد والقصر.
قلنا: قال الحسن رحمه الله: المراد به الربا المحرم والخطاب لدافعي الربا لا لآخذيه. معناه: وما أعطيتم أكلة الربا من زيادة لتربو وتزكو في أموالهم فلا تزكو عند الله ولا يبارك فيها، ونظيره قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) [البقرة: 276] لا فرق بينهما. وقال ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور: المراد به أن يهب الرجل غيره هبة أو يهدي إليه هدية على قصد أن يعوّضه أكثر منها. وقالوا: وليس في ذلك أجر ولا وزر، وإنما سماه ربا لأنه مدفوع لاجتلاب الربا وهو الزيادة فكان سببا لها فسمي باسمها، ومعنى قراءة المد ظاهر، وأما قراءة القصر فمعناها: وما جئتم، أي وما فعلتم من إعطاء ربا، كما تقول أتيت خطأ وأتيت صوابا، أي فعلت؛ وقوله تعالى: (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) [الروم: 39] أي ذوو الأضعاف من الحسنات، وهو التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
[845] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِهِ) [الروم: 49] بعد قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ) [الروم: 49] ؟
قلنا: فائدته التأكيد كما في قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: 30] . وقيل: الضمير لإرسال الرياح أو السحاب فلا تكرار.
[846] فإن قيل: كيف قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) [الروم: 54] والضعف صفة الشيء الضعيف، فكيف يخلق الإنسان من تلك الصفة؛ مع علمنا أنه خلق من عين وهو الماء أو التراب لا من صفة.
قلنا: أطلق المصدر وهو الضعف، وأراد به اسم الفاعل وهو الضعيف كقولهم رجل عدل، أي عادل ونحوه؛ فمعناه من ضعيف وهو النطفة. وقيل: معناه على ضعف، فمن بمعنى على، كما في قوله تعالى: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) [الأنبياء: 77] والمراد به ضعف جثة الطفل حال طفوليته.