يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياءً ؛ لأن الميِّت: مَنْ يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت ، أما مَنْ مات فعلاً فيُسمَّى (مَيْت) .
وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي ، وتقول لمن تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا ، فأنت جازفتَ وتكلمتَ بشيء لا تملك عنصراً من عناصره ، فلا تضمن مثلاً أنْ تعيش لغد ، وإنْ عشتَ لا تضمن أن يعيش هو ، وإنْ عاش ربما يتغير فكرك ناحيته ، أو فقدتَ القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأنْ يصيبك مرض أو يِلُم بك حدث .
لكن حينما يتكلم مَنْ يملك ازمّة الأمور كلها ، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه ، فحين يحكم ، فليس للزمن اعتبار في فعله ، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي ، بل {لآتٍ ...} [العنكبوت: 5] على وجه التحقيق .
وسبق أنْ ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ...} [النحل: 1] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يَأْتِ بَعْد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله ، وليست لديهم مَلَكة العربية ، فالله تعالى يحكم على المستقبل ، وكأنه ماضٍ أي مُحقّق ؛ لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع ، ولا يحول دونه حائل .
ولفظ الأجل جاء في القرآن في مواضع كثيرة ، منها: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] وفي الآية التي معنا: {فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ...} [العنكبوت: 5] .
والأجلان مختلفان بالنسبة للحضور الحياتي للإنسان ، فالأجل الأول يُنهي الحياة الدنيا ، والأجل الآخر يُعيد الحياة في الآخرة للقاء الله عز وجل ، إذن: فالأجلان مرتبطان .