ثم أخبر عن قضاء الأجل بصدق في العمل بقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} [القصص: 29] .
والإشارة في تحقيق الآيات بقوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ} [القصص: 29] يشير إلى موسى القلب أنه لما اتصف بالصفات الثمانية للروح كما مر ذكرها وغلبت عليه محبة الله واستأنس به {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي: سار بجميع صفاته متوجهاً إلى مصر حضرة الربوبية {آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ} طور الحضرة {نَاراً} وهي نار نور الإلهية: {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ} [القصص: 29] يُشير به إلى أن التجريد في الظاهر والتفريد في الباطن، فإن السالك لابد له في السلوك من تجريد الظاهر عن الهل والمال، وخروجه عن الدنيا بالكلية فقد قيل أن الكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ثم من تفريد الباطن عن تعلقات الكونين فبعدما تفرد عن التعلقات يشاهد شواهد التوحيد، فإذا ما تبدو له في صورة شعلة النار كما كان لموسى والكوكب ما كان لإبراهيم عليهما السلام، أكوكب ما أرى يا سعد أم نار تشبها سهلة الخدين معطار، ومن جملتها اللوامع والبروق والطوالع والسواطع والشموس والأقمار إلى أن ينجلي نور الربوبية مع مطلع الألوهية نور ببدور إذا بدا استمكن وشمس طلعت ومن رآها آمن.
وبقوله {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29] يُشير إلى أن أوصاف الإنسانية جامدة من برودة الطبيعة لا تسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية.