ولم يعلق الوعد بالنعيم بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما. وقال: تِلْكَ على جهة التعظيم للجنة والتفخيم لشأنها، يعني تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها.
عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ أَنْ يَكُونَ أَجْوَدَ مِنْ شِرَاكِ صَاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".
قال ابن كثير: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَىَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» .
وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت - فيما روي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» . قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» . .
«وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» أي والمصير المحمود وهو الجنة لمن اتقى عذاب اللّه وخاف عقابه، بعمل الطاعات، وترك المحظورات المحرّمات، ولم يكن كفرعون الطاغية الجبار الكافر باللّه، ولا كقارون الباغية الفاجر المكذب رسل اللّه، الذي يريد الفساد في الأرض والاستعلاء.
ثم بين اللّه تعالى حال الجزاء على الأعمال فقال «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.» . أي من جاء بالخصلة الحسنة يوم القيامة، فله خير منها ذاتا ومقدارا وصفة، فثواب اللّه خير من حسنة العبد، واللّه يضاعفه أضعافا كثيرا، فضلا من اللّه ورحمة وإحسانا.