لكن ماذا قال أهل الدنيا الذين بُهِروا بزينة قارون؟ قالوا: {ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . .} [القصص: 79] يعني: كما نقول نحن (حظه بمب) ؛ لأن هؤلاء لا يعنيهم إلا أمر الدنيا ومُتعها وزُخْرفها ، أما أهل العلم وأهل المعرفة فلهم رأْيٌ مخالف ، ونظرة أبعد للأمور ؛ لذلك رَدُّوا عليهم: {وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم ...} .
فما كان الحق - تبارك وتعالى - ليترك أهل الدنيا وأهل الباطل يُشكِّكون الناس في قَدَر الله ، ويتمردون على قسمته حتى الكفر والزندقة ، والله سبحانه لا يُخِلي الناس من أهل الحق الذين يُعدِّلون ميزان حركة الحياة:
إنَّ الذي جَعَلَ الحقِيقةَ عَلْقماً ... لم يخلْ من أَهْل الحقيقة جيلا
وما دام أن الله تعالى قال في الجماعة الأولى: {قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا ...} [القصص: 79] فهم لا يروْنَ غيرها ، ولا يطمحون لأبعد منها ، وقال في الأخرى: {وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم ...} [القصص: 80] فهذا يعني: أن أهل الدنيا (سطحيون) ، لم يكن عندهم علم ينفعهم ، لذلك وقعوا في هذا المأزق الذي نجا منه أهل العلم ، حينما أجروا مقارنة بين الطمع في الدنيا والطمع في الآخرة .
كما قلنا سابقاً: إن عمر الدنيا بالنسبة لك: لا تقُلْ من آدم إلى قيام الساعة ؛ فعمرك أنت فيها عمر موقوت ، لا بُدَّ أنْ يفنى . إذن: العاقل مَنْ يختار الباقية على الفانية ، لذلك أهل الدنيا قالوا {ياليت لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ ...} [القصص: 79] .
أما أهل العلم والمعرفة فردُّوا عليهم: {وَيْلَكُمْ ...} [القصص: 80] أي: الويل لكم بسبب هذا التفكير السطحي ، وتمنِّي ما عند قارون الويل والهلاك لكم بما حسدتُم الناس ، وبما حقدتُم عليهم وباعتراضكم على أقدار الله في خَلْقه .