لأن لكل منكم مهمة ودوراً في الحياة ، ولكل منكم مواهبه وميزاته التي يمتاز بها عن الآخرين ، ولا بُدَّ أن يكون فيك خصال أحسن ممن تحسده ، لكنك غافل عنها غير متنبه لها .
وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه قد وزَّع أسباب فَضْله على خَلْقه ؛ لأننا جميعاً أمام الله سواء ، وهو سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ؛ لذلك قلنا: إن مجموع مواهب كل فرد تساوي مجموع مواهب الآخر ، فقد تزيد أنت عني في خصلة ، وأزيد عنك في أخرى ، فهذا يمتاز بالذكاء ، وهذا بالصحة ، وهذا بالعلم ، وهذا بالحِلْم . . إلخ .
لأن حركة الحياة تتطلب كل هذه الإمكانيات ، فبها تتكامل الحياة ، وليس من الممكن أن تتوفر كل هذه المزايا لشخص واحد يقوم بكل الأعمال ، بل إنْ تميزْتَ في عملك ، وأتقنتَ مهمتك فلك الشكر .
ومن العجيب ألاَّ تنتفع أنت بنبوغك ، في حين ينتفع به غيرك ، ومن ذلك قولهم مثلاً (باب النجار مخلع) ، فلماذا لا يصنع باباً لنفسه ، وهو نجار؟ قالوا: لأنه الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً .
إذن: حينما تجد غيرك مُتفوِّقاً في شيء فلا تحقد عليه ؛ لأن تفوقه سيعود عليك ، وضربنا لذلك مثلاً بشيء بسيط ؛ حين تمسك المقصَّ بيدك اليمنى لتقصَّ أظافر اليد اليسرى تجد أن اليد اليمنى - لأنها مرنة سهلة الحركة - تقصُّ أظافر اليسرى بدقة ، أما حين تقصُّ اليسرى أظافر اليمنى فإنها لا تعطيك نفس المهارة التي كانت لليمنى . إذن: فحُسْن اليمنى تعدَّى لليُسْرى ونفعها .
وهكذا إذا رأيتَ أخاك قد تفوَّق في شيء أو أحسن في صُنْعه فاحمد الله ؛ لأن حُسْنه وتفوقه سيعود عليك ، وقد لا يعود عليه هو ، فلا تحسده ، ولا تحقد عليه ، بل ادْعُ له بالمزيد ؛ لأنك ستنتفع به في يوم من الأيام .