قيل: لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال ربوبيته كالليل والنهار، والحر والبرد، والخير والشر، والنعيم والجحيم، والبر والفاجر.
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام: 53] .
والله عزَّ وجلَّ أقام الحجة ومكن من أسباب الهداية ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وإعطاء السمع والبصر والعقل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) } [الإنسان: 2، 3] .
والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين هما أصل السعادة:
أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت محبة لله، تعبده لا تشرك به شيئاً، ولكن يفسدها من يزين لها الفساد من شياطين الإنس والجن.
والنفس سعادتها أن تحيا الحياة الطيبة فتعبد الله، ومتى لم تحيا هذه الحياة
الطيبة كانت ميتة، وكان ما لها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها.
قال الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم.
الثاني: أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من الكتب، وبما أرسل إليهم من الرسل.
ففي كل واحد ما يقتضي معرفته بالحق ومحبته له، وقد هداه الله إلى ما ينفعه، وجعل في فطرته محبة ذلك.
والنفس إن علمت الحق وأرادته فذلك من تمام إنعام الله عليها، وإلا فهي بطبعها لا بدَّ لها من مراد معبود غير الله، ومرادات سيئة تركبت من كونها لم تعرف الله ولم تعبده.
قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) } [الأعلى: 1 - 3] .