والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها، وينقص حظها من كرامته وثوابه، ويبعدها من قربه ورحمته، وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل والظلم، والرب تعالى أعلم بالمحل الذي يصلح للهدى والرحمة، فهو الذي يؤتيها العبد كما قال سبحانه عن عبده الخضر: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) } [الكهف: 65] .
والهداية نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده ممن يصلح لذلك.
وكما أن للصحة علامات .. وللمرض علامات .. فكذلك للهداية علامات .. وللضلالة علامات.
ومن علامات الهداية:
الإقبال على الله .. والتوجه إليه في جميع الأحوال .. والتوكل على الله في جميع الأمور .. والاستعانة به في كل شيء .. والإنابة إلى دار الخلود .. والتجافي عن دار الغرور .. والاستعداد للموت قبل نزوله .. وأن يرى السعادة والمنفعة في امتثال أوامر الله .. والشقاء والمضرة في مخالفتها .. ويرى الخير والنجاة في الإيمان والأعمال الصالحة .. ويرى الشر والهلاك في ترك ذلك .. ويرى الفلاح في الدين .. والخسار في خلاف الدين.
والله عليم حكيم يضع الأشياء في مواضعها لكمال علمه وحكمته، فلا بد للعبد
من العلم بأمرين:
أحدهما: أن الله وحده تفرد بالخلق والأمر والهداية والإضلال.
الثاني: أن ذلك كله وقع منه سبحانه على وجه الحكمة والعدل لا بالاتفاق، ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها، بل بحكمة اقتضت هدى من عَلِمَ الله أنه يزكو على الهدى ويقبله، ويشكره عليه، ويثمر عنده، وإضلال من عَلِمَ الله أنه لا يزكو على الهدى ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده.
فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً وميراثاً كما قال سبحانه: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .
ولم يطرد سبحانه عن بابه ولم يبعد من جنابه من يليق به التقريب والهدى والإكرام، بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد.
فإن قيل: لم خلق من هو بهذه المثابة؟.