وروى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: {بَلى أدَّارَكَ} بقطع الألف؛ لأنه استفهام، فحذف ألف الوصل.
قال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه أشبه بالاستهزاء بأهل الجحد، كقولك للرجل تكذبه: بلى لعمري لقد أدركتَ السلف، فأنت تروي ما لا نروي، وأنت تُكذِّبُه. فهذا وجهٌ عليه أهل المعاني. والأول عليه أهل التفسير.
قال شمر: ورُوي لنا حرفٌ عن الليث، ولم أسمعه لغيره، ذَكر أشبه يقال: أدركَ الشيءُ إذا فَنِيَ، فإن صح فهو في التأويل: فني علمهم عن معرفة الآخرة. هذا كلامه. و {فِي الْآخِرَةِ} على هذا القول يكون أيضًا بمعنى: بالآخرة، كما ذكره أبو علي. وقرأ عاصم في بعض الروايات
(أدرَكَ) على افتعل، وهو بمعنى: أدرك وتدارك، كما حكينا عن شمر.
قوله تعالى: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [قال مقاتل: بل هم اليوم في الدنيا في شك منها] يعني: من الساعة.
وقال أبو علي: {مِنْهَا} : من علمها وحدوثها. يعني: علم الآخرة.
{بَلْ هُمْ مِنْهَا} من علمها {عَمُونَ} في الدنيا. والعمي عن علم الشيء أبعد منه من الشاك فيه؛ لأن الشك قد يَعرض عن ضرب من النظر، والعمي عن الشيء: الذي لم يدرك منه شيئًا.
وقال الكلبي في قوله: {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} يقول: هم جهلة بها.
وقال المبرد: {عَمُونَ} جمع عمٍ، وأكثر ما يستعمل في القلب، وأنشد:
ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ
قال ابن عباس في هذه الآية: أعمى قلوبهم عما أعد لأوليائه من النعيم، وعما أعد لأعدائه من العذاب. والكلام في العمي قد تقدم عند قوله: {عَمِينَ} في سورة الأعراف. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 17/ 270 - 288} .