فلما قالوا ذلك {قَالَ} لهم صالح {طَائِرُكُمْ} ؛ أي: حظكم ونصيبكم من الخير والشر مكتوب {عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، ومقدر عليكم من عنده تعالى، لا من عندنا. وقيل: طائركم؛ أي: شدتكم ورخاؤكم من عند الله تعالى، لا من عندنا. وقال ابن عباس: الشؤم: الشدة التي أتتكم من عند الله بكفركم. وقيل: طائركم؛ أي: عملكم عند الله سمي طائرًا؛ لسرعة صعوده إلى السماء. وقيل طائركم؛ أي: سببكم الذي جاء منه شركم عند الله؛ وهو قدره، سمي القدر طائرًا لسرعة نزوله، ولا شيء أسرع من قضاء محتوم.
والمعنى: أن الشؤم الذي أصابكم هو من عند الله تعالى بسبب كفركم، ثم أوضح لهم سبب ما هم فيه بأوضح بيان، فقال: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} ؛ أي: تختبرون بتعاقب السراء والضراء؛ أي: الخير والشر، والدولة والنكبة، والسفولة والصعوبة، أو تعذبون بذنوبكم. وقيل: يفتنكم غيركم. وقيل: يفتنكم الشيطان بما تقعون فيه من الطيرة، أو بما لأجله تطيرون، فأضرب عن ذكر طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه.
واختبار الله تعالى: إنما هو لإظهار الجودة والرداءة، ففي الأنبياء والأولياء والصلحاء تظهر الجودة، ألا ترى أن أيوب عليه السلام امتحن فصبر، فظهر للخلق درجته وقربه من الله تعالى، وفي الكفار والمنافقين والفاسقين تظهر الرداءة.
حكي أن امرأة مرضت مرضًا شديدًا طويلًا، فأطالت على الله تعالى في ذلك وكفرت، ولذا قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان.
والابتلاء مطلقًا؛ أي: سواء كان في صورة المحبوب، أو في صورة المكروه رحمة من الله تعالى في الحقيقة؛ لأن مراده جذب عبده إليه، فإن لم ينجذب حكم عليه بالغضب في الدنيا والآخرة، كما ترى في الأمم السالفة، ومن يليهم في كل عصر إلى آخر الزمان.
والمعنى: أي بل أنتم قوم يختبركم ربكم حين أرسلني إليكم أتطيعونه فتعملوا بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصونه فتعملوا بخلافه فيحل بكم عقابه.