ثم نصحهم، وطلب إليهم أن يستغفروا ربهم لعلهم يرحمون، فقال: {لَوْلَا} حرف تحضيض بمعنى هلا؛ أي: هلا {تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} سبحانه وتتوبون إليه من كفركم، فيغفر لكم عظيم جرمكم، ويصفح عن عقوبتكم على ما أتيتم به من الخطايا. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بقبولها؛ إذ قد جرت سنته أن لا تقبل التوبة بعد نزول العقوبة، أي: رجاء أن ترحموا أو لكي ترحموا فلا تعذبوا، فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر، ووصف العذاب بأنه سيئة مجازًا؛ إما لأن العذاب من لوازمه، أو لأنه يشبهه في كونه مكروهًا،
47 -فكان جوابهم عليه بعد هذا الإرشاد الصحيح والكلام اللين أنهم {قَالُوا} ؛ أي: قال الفريق الكافر منهم لصالج ومن معه: إنا قد {اطَّيَّرْنَا} وتشاءمنا {بِكَ} يا صالح {و} بـ {مَنْ} دخل {مَعَكَ} في دينك؛ أي: كرهنا فالكم وفأل دينكم، حيث تتابعت علينا الشدائد والمصائب. من القحط والاختلاف منذ اخترعتم دينكم هذا، وكانوا قحطوا عند مبعثه بسبب تكذيبه، فقالوا: أصابنا هذا الشر من شؤمك وشؤم أصحابك فنسبوه إلى مجيئه، يعنون: شدتنا من شؤمك ومن شؤم من آمن معك؛ أي: من قبح حالكم وقبح دينكم، وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة وأشقاهم بها، وكانوا إذا أرادوا سفرًا أو أمرًا من الأمور نفروا - حركوا - طائرًا من وكره، فإن طار يمنةً ساروا وفعلوا ما عزموا، وإن طار يسرةً تركوا ذلك.
وفي"الفتوحات": تشاءمنا؛ أي: أصابنا الشؤم؛ أي: الضيق والشدة. وفي"القرطبي": الشؤم النحس، ولا شيء أضر ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة، أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورًا .. فقد جهل. اهـ
وأصل {اطَّيَّرْنَا} تطيرنا، وقد قرئ بذلك فادغمت التاء في الطاء، واجتلبت الهمزة لسكون الطاء، فإذا ابتدأت قلت: اطيرنا، وإذا وصلت لم تذكر الهمزة وتسقط لأنها همزة وصل.