ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك ، أو كما نقول (تلوحه أو تلويه) .
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} [النمل: 35] فإنْ كان ملكاً قَبِلها ، وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تُسَاق إليه كل عام ، وإنْ كان نبياً فلن يقبل منها شيئاً ، وهذا رَأْي جميل من بلقيس يدل على فِطْنتها وذكائها وحصافتها ، حيث جنَّبتْ قومها ويلات الحرب والمواجهة .
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)
أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} [النمل: 36] فأيُّ هدية هذه ، وأنا أملك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي؟ {بَلْ} [النمل: 36] يعني: اضرب عن الكلام السابق {أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .
أضاف الهدية إليهم ، لا إليه هو ، والإضافة تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد ، أو: بمعنى من مثل: إردب قمح يعني: من قمح ، أو: بمعنى في مثل: مكر الليلَ يعني: في الليل .
فقوله {بِهَدِيَّتِكُمْ} [النمل: 36] إما أن يكون المراد: هدية لكم . أي: فأنتم تفرحون إنْ جاءتكم هدية من أحد ، أو لأنني سأردُّها إليكم فتفرحوا بردِّها كمَنْ يقول (بركة يا جامع) أو: هدية منكم . أي: أنكم تفرحون إنْ أهديتم لي هدية فقبلتُها منكم .
فهذه معَانٍ ثلاثة لقوله: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)