وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ الْمَالِكِيُّ الْأَشْعَرِي مَعَ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ طَرَارٍ شَيْخِ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ، فَمَاحَلَ وَنَصَرَ ابْنُ طَرَارٍ لِمَا يُنْسَبُ إلَى ابْنِ جَرِيرٍ ، عَلَى عَادَةِ الْقَوْمِ التَّجَادُلُ عَلَى الْمَذَاهِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا بِهَا اسْتِخْرَاجًا لِلْأَدِلَّةِ وَتَمَرُّنًا فِي الِاسْتِنْبَاطِ لِلْمَعَانِي ؛ فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طَرَارٍ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَحْكُمَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْأَحْكَامِ تَنْفِيذُ الْقَاضِي لَهَا ، وَسَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْخُصُومِ فِيهَا ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، كَإِمْكَانِهِ مِنْ الرَّجُلِ.
فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، وَنَقَضَ كَلَامَهُ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا حِفْظُ الثُّغُورِ ، وَتَدْبِيرُ الْأُمُورِ ، وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ ، وَقَبْضُ الْخَرَاجِ ، وَرَدُّهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ ، وَذَلِكَ يَتَأَتَّى مِنْ الْمَرْأَةِ كَتَأَتِّيه مِنْ الرَّجُلِ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طَرَارٍ: هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِهِ.
فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَصْلُ الشَّرْعِ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هَذَا تَعْلِيلٌ لِلنَّقْضِ ، يُرِيدُ: وَالنَّقْضُ لَا يُعَلَّلُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.