أَكْرِمُوا الْبَقَرَ فَإِنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَكْرِمُوا الْبَقَرَ فَإِنَّهَا سَيِّدَةُ الْبَهَائِمِ، مَا رَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ» ، قُلْتُ: وَلَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ فَإِنَّ أَبَا هِنْدٍ مَجْهُولٌ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الْحَيَوَانَ وَغَيْرَهُ، حَتَّى أَبْلَدِ الْحَيَوَانَاتِ الَّذِي نَضْرِبُ بِبَلَادَتِهِ الْمَثَلَ وَهُوَ الْبَقَرُ.
(فصل)
وهذه النمل من أهدى الحيوانات وهدايتها من أعجب شيء فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها وإن بعدت عليها الطريق فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان
فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوما ذا شمس فخرجت به فنشرته على أبواب بيوتها ثم أعادته إليها ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله سبحانه في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}
فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ثم أتت بالاسم المبهم ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة للعموم ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن يصيبهم معرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك وهذا من أعجب الهداية.