وكل النظم والشرائع والآداب التي يتضمنها هذا القرآن ، إنما تقوم قبل كل شيء على الإيمان. فالذي لا يؤمن قلبه بالله ، ولا يتلقى هذا القرآن على أنه وحي من عند الله وعلى أن ما جاء فيه إنما هو المنهج الذي يريده الله. الذي لا يؤمن هذا الإيمان لا يهتدي بالقرآن كما ينبغي ولا يستبشر بما فيه من بشارات.
إن في القرآن كنوزاً ضخمة من الهدى والمعرفة والحركة والتوجيه. والإيمان هو مفتاح هذه الكنوز. ولن تفتح كنوز القرآن إلا بمفتاح الإيمان. والذين آمنوا حق الإيمان حققوا الخوارق بهذا القرآن. فأما حين أصبح القرآن كتاباً يترنم المترنمون بآياته ، فتصل إلى الآذان ، ولا تتعداها إلى القلوب. فإنه لم يصنع شيئاً ، ولم ينتفع به أحد.. لقد ظل كنزاً بلا مفتاح!
والسورة تعرض صفة المؤمنين الذين يجدون القرآن هدى وبشرى.. إنهم هم:
{الذين يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، وهم بالآخرة هم يوقنون} ..
يقيمون الصلاة.. فيؤدونها حق أدائها ، يقظة قلوبهم لموقفهم بين يدي الله ، شاعرة أرواحهم بأنهم في حضرة ذي الجلال والإكرام ، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء ، مشغولة خواطرهم بنجاء الله ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم.
ويؤتون الزكاة.. فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح ؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال ؛ ويصلون إخوانهم في الله ببعض ما رزقهم الله ؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء.
وهم بالآخرة هم يوقنون.. فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم ، ويصدهم عن جموح الشهوات ، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة.
هؤلاء المؤمنون الذاكرون الله ، القائمون بتكاليفه ، المشفقون من حسابه وعقابه ، الطامعون في رضائه وثوابه.. هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن ، فإذا هو هدى وبشرى.