قوله:"فَحكم بِهِ لِلْكُبْرَى"كان ذلك على سبيل الفتيا لا الحكم، ولذلك ساغ لسليمان أن ينقضه، والذي ينبغي أن يقال إن داود - عليه السلام - قضى به للكبرى لسبب اقتضى به عنده ترجيح قولها، إذ لا بينة لواحدة منهما، وكونه لم يعين في الحديث اختصارًا لا يلزم منه عدم وقوعه، فيحتمل أن يقال: إن الولد الباقي كان في يد الكبرى وعجزت الأخرى عن إقامة البينة، قال: وهذا تأويل حسن جار على القواعد الشرعية.
وليس في السياق ما يأباه ولا يمنعه، فإن قيل فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه؟
فالجواب أنه لم يعمد إلى نقض الحكم، وإنما احتال بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، وذلك أنهما لما أخبرتا سليمان - عليه السلام - بالقصة، فدعا بالسكين ليشقه بينهما، ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر فحصل مقصوده لذلك لجزع الصغرى الدال على عظيم الشفقة، ويحتمل أن يكون سليمان ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه.
ودلت هذه القصة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتعلق بكبر سن ولا صغره، وفيها استعمال الحيل في الأحكام لاستخراج الحقوق، ولا يتأتى ذلك إلا بالمزيد الفطنة وممارسة الأحوال.
الوجه الخامس: سليمان - عليه السلام - في القرآن والسنة، وسليمان - عليه السلام - في الكتاب المقدس.
أما سليمان - عليه السلام - في القرآن والسنة فقد سبق بيان ذلك.
وأما سليمان في الكتاب المقدس: فيقولون أنه كفر، وهو ابن زنا: فَغَضِبَ الرَّبُّ عَلَى سُلَيْمَانَ لأَنَّ قَلْبَهُ مَالَ عَنِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَرَاءَى لَهُ مَرَّتَيْنِ، 10 وَأَوْصَاهُ فِي هذَا الأَمْرِ أَنْ لَا يَتَّبعَ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَمْ يَحْفَظْ مَا أَوْصَى بِهِ الرَّبُّ. 11 فَقَالَ الرَّبُّ لِسُلَيْمَانَ:"مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذلِكَ عِنْدَكَ، وَلَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي وَفَرَائِضِيَ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ بِهَا، فإِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ. (الملوك 11/ 9 - 11) ."