آياته على بعثه الموتى في حال الموت، فإذا أحياها في حال موتها أصارها إلى
حقيقة وجودها، وهو المثالي فتنعم أو تعذب وتتألم وتحس وتعقل.
قال الله جل قوله وتعالى علاؤه وشأنه وجده: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى أَنْ
نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) أي: في بواطنكم نبدلها من ظواهركم التي عطلها
الموت وننشئكم - أي: الأجسام - في مدة البرزخ فيما لا تعلمون، يصيرهم بقدرته
في طبقات البِلَى، وأوصاف أنواع الأرض والثرى من معادنها ونباتها، ينقلها من
خلق إلى خلق، وينبتهم في أنواع أتربتها، فإذا كان يوم البعث الآخر أمر كل شيء
أخذ من شيء ٍ شيئا أن يرده على طريقه الذي ذهب (كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) .
لذلك قال عز من قائل: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ)
وقال عز من قائل: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40)
عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ). أَن يذهب بهم ويأتِ بآخرين خيرًا،
هذا وصف يعبر به عن تحول الأحوال على الجسم حال البلى منهم يخلفونهم.
ثم قال - جلَّ جلالُه -: (وَمَا نَحن) أي: إذا أذهبنا بهم بالموت والإهلاك
على أن نبدلهم في أمثالهم، وذكر السبق هنا عبارة عن سرعة تأتي ذلك دون زمان
موجود، بل ذلك كوجود الظل عن شخصه، وكل وجود موجود لما وجد له.
(فصل)
اعلم - لقننا الله الصواب - أن الموت الذي هو فراق الباطن ظاهره موتان،
كذلك الوفاة وفاتان، فموت أدنى وموت أعلى: هذه عبارة عن تبديل البواطن إلى
مثلاتها تأتي حال الموت.
ثم هو - عز وجل - ينشئها في دار البرزخ ما بطن عنا الآن، كقوله عز من قائل:(أَحْيَاءٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
وقال - صلى الله عليه وسلم - في ابنه إبراهيم:"إن له مرضعتين في الجنة"أو قال:"يتمان"
رضاعه في الجنة"."
والوفاة كذلك، والعبارة عنهما بأنهما اثنان تجوز في عبارة، وإنما هو نشوء من
أدنى إلى أْعلى، فالموت الأدنى موت الكافر، والأعلى حال الشهيد التي لعلوها