نهينا أن نسميها موتًا، وكذلك الوفاة الدنيا هي أن تسلب النفس صفاتها كما تقدم
ذكره أو كما شاءه الله، والعليا: أن يلحق كثيف الجملة بلطيفها، فيتوفاها على ذلك
كتوفيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيسى ابن مريم.
وما بين هذين القسمين محال، ومنازل يحلها بالموت والوفاة من أهله الله لما
شاءه له من ذلك، وكذلك الإسراء على ما تقدم وصفه، فعلى ما تقدم ذكره مما ورد
بالكتب والوحي ليست حياة الكافر هنالك بكمال حياة المؤمن، ولا حياة من ليس
بشهيد كحياة الشهيد، بل حياة ما هنالك أن يكون ظاهر الجسم استقل عنه من حياته
هنا معطلاً من الحياة، مقطعًا أعضاؤه، وقد صار رمادًا أو ترابًا في حكم ظاهر الرؤية
وباطنه حتى ينعم أو يعذب يحسبه الذين لا يشعرون ميتًا في بادئ الرؤية وظاهر
الحال، وهو حي أشرف حياة وأكمل من حياته الجسمانية لو يعلمون.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)
ومن غيب الغيب أن جسم الشهيد مقطعًا ممزقًا مأكولاً وترابًا وعدمًا،
وهو في الحقيقة موجود حي سوي عند الله؛ وعند الملائكة وأهل الآخرة، وإن كان
هذا قد يبعد على قضايا العقول الأولى فإنه يقرب إلى العقل الأعلى الذي تقدم
ذكره، وهو الذي عدمه الأكثرون إلا من أيقظه الله.
وأما الكافرون: فصم بكم عمي في الظلمات، أموات غير أحياء، وكما قد
يحسب الكافر حيّا وهو ميت عند الله - جلَّ جلالُه - وعند الملائكة - عليهم السَّلام - وأهل
الآخرة، فكذلك كثير من هذه المشاهدات التي أخبر بها القرآن العزيز، وهي على
غير ما يشاهد منها كأجشام الشهداء، وأهل الحياة الدينية.
وقد نصَّ القرآن على كثير منها، ربما نبهنا عليها عندما يأتي ذكرها إن شاء الله
تعالى، وإلا فهذا أصل لما هو في معناه، وإنما يرى هذا الشأن ويشاهد بحواس
الحياة العليا التي ليست للكفار والمنافقين والغافلين، وقد تقدم من تمهيد هذا في
صدر الكتاب ما يغني عن الترداد، وهي من أوائل عجائب الآخرة، ماذا يعاين ذو
العينين من عجب يوم الخروج من الدنيا إلى الله؛ انتهى.