وفصل بين الشرط والجزاء بحكم جزم أن لا تأتوا بمثله ، وذلك زيادة فِي إعجازه لوجود مخبره على ما أخبر به وذلك مثل قوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} الآية ، فإن قيل كيف خص الكافرين بالنار دون الفاسقين ؟ قيل: يجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب من النار يختص به الكفار ، وهي المخصوصة أيضاً بقوله: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} وقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ثم إذا قيل:"أعد هذا لزيد"لا يقتضي أن لا يكون معداً لغيره ، بل قد يكتفي بأعظم الشيئين عن الآخر نحو قوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} لم يذكر معه البرد ، فيكون النار على هذا الوجه للجنس ، وعلى الأول للنوع..
قوله - عز وجل - {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}
الآية: (25) - سورة البقرة.
أصل بشرته تلقيته مني ببشرة ووجه طلق ، وذاك أن من شأن من أتى بخبر سار أن يكون طلق الوجه ، ومن أتى بخبر بخلافه يكون عابس الوجه وقيل معنى بشرته: أطلقت بشرته بما أخبرته فإن من ناله سرور ، طار دمه منتشراً فِي صفحة وجهه ، ومن ناله سوء يقيض دمه فاصفر أو اسود وقيل: بشرتهك أظهرت له خبراً دلت بشرته على المسرة به ، أي ظاهره فاستعير لظاهر الخبر البشرة وذلك لكثرة ما يدل وجه الشيء على باطنه
فإن قيل: فإن كانت البشارة للأخبار السارة ، فما وجه قوله تعالى:
{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ؟ قيل إن مثل ذلك قد يستعمل على سبيل التهكم نحو:
"تحية بينهم ضرب وجيع"