ووجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص، أو الظلمة الخالصة فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه؛ لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات، فلا بد له في وجوده بعد العدم؛ وعدمه بعد الوجود؛ من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل، وما هو إلا اللَّه سبحانه وتعالى، فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم؟ قلنا: الظل ليس عدمًا محضًا، بل هو أضواء مخلوطة بظلم، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية.
إن الظل هو انعكاس نور الشمس، وإذا سميت شبح الأشياء ظلًا فلأن شعاع الشمس يمتد إليه، ونسأل: ماذا يرى الناس من ظل الشمس؟
لا يرون إلا نورًا منبعثًا منها منبسطًا على الأرض، وهو في انقباض وانبساط بمشيئة اللَّه، فبين الحين والآخر يتبدل النهار ليلًا والليل نهارًا، وكل ذلك آية دالة على وجود الشمس.
إننا نؤمن بالشمس، دون أن نرى غير ظلها الذي نعرف من خلاله طبيعتها، وقوتها، ومدى دفئها؛ كما لو كانت الشمس هي التي نراها، وكذلك عن طريق أسماء اللَّه وآياته في الكون يجب أن نعرف ربنا ونتيقن يقينًا راسخًا به، وكما أن الشمس هي دليل الظل بإذن اللَّه وليس العكس، كذلك الرب هو الدليل إلى ذاته بذاته، وبآياته وأسمائه.
لذلك قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} وذلك بوقف دوران الأرض لتبقى في ليل دائم، أو نهار مستمر {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} . تتماوج التعابير والإيحاءات القرآنية لتبث حزمة نور إلى القلب وتوصل الإنسان إلى غيب الحقائق، فما نراه ظلًا للشمس، وآية من آيات اللَّه، فلماذا عن طريق الظل نكتشف الشمس ولا نعرف وجود اللَّه (1) !