لكن ، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام؟ قالوا: هذا من باب إرخاء العِنَان للخَصْم ، وكلمة (العنان) تأتي بكسر العين وفتحها ، واللغويون يقولون: هي على وزن ما هي بمعناه ، فإنت قصدتَ بها عَنان السماء فهي على وزن سَحَاب ، وإن أردتَ بها عِنان الفرس ، فهي على وزن لِجَام .
وراكب الدابة إنْ أرخى لها العِنان تركها تسير كما تشاء ، كذلك الحق تبارك وتعالى يُرخِي للخصم العِنان ليقول كل ما عنده ، وليأخذه إلى جانبه ، لا بما يكره ، بل بما يحب . وقد علَّم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يردُّ عليهم ويجادلهم الجدل الهادئ بالتي هي أحسن . فحين قالوا عنه مفتر ، وعن القرآن مُفترىً ومكذوب ردّ عليهم: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} [يونس: 38] .
ثم يترقَّى في جدالهم: {أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بريء مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] وفي آية أخرى يرد عليهم: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] .
وهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف مَنْ على الهدى ومَنْ على الضلال؟ لا شكَّ أنه إرخاء العِنان للخصم ، يقول لهم: أنا وأنتم على طَرَفي نقيض: أنا أقول بإله واحد وأنتم تُكِّذبون قولي ، فأنا متناقض معكم في هذه القضية ، والقضية لا بُدَّ أن تأتي على شكل واحد ، فإمَّا أنا على الهدى ، وإمّا أنتم ، وأنا لا أدّعي الحق لنفسي .
إذن: المطلوب أنْ تُعمِلوا عقولكم لِتُميِّزوا مَنْ مِنّا على الهدى ومَنْ منّا على الضلال ، وكأن رسول الله يرتضي حكومتهم في هذه المسألة ، وما ترك لهم رسول الله الحكمَ إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه ، وأنه على الهدى ، وأنهم على الضلال .