ولو أجابهم الله لما قالوا لأنكروا قولهم وتنصّلوا منه ، كما قال تعالى عن اليهود: {سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم . أمَا كان فيهم رجل يتنبه لقوْل القرآن ، فيحذرهم من هذا القول ليُوقِع رسول الله في حرج ، ويُظهر القرآن على أنه كذب ، ويقول كلاماً يخالف الحقيقة ، وعندها ، لهم أنْ يقولوا: لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا؟
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
{الذين} [الفرقان: 34] إجمال الأشخاص معروفين بذواتهم ، وقفوا من الرسول موقف العداء ، ومنهم مَنْ سبق أن قال: {ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً * ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} [الفرقان: 2728] .
والحشر: الجمع للحساب ، لكن سيُحشَرون على وجوههم ؛ لذلك لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله: كيف يمشُون على وجوههم قال صلى الله عليه وسلم:"الذي أمشاهم على أرجلهم ، قادر أن يُمشيهم على وجوههم".
فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه ، ولعله يُجَر جراً ، سواء أكان على وجهه أو على شيء آخر ، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور هي مناط القدرة المطلقة .
والحق تبارك وتعالى يُوضِّح هذه المسألة في قوله تعالى: {والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] .
إذن: المشْي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط ، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء .