ويساعد هذا قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم {ويجعلُ لك قصوراً} برفع {يجعلُ} على الاستئناف دون إعمال حرف الشرط ، وقراءة الأكثر بالجزم عطفاً على فعل الشرط وفعل الشرط محقق الحصول بالقرينة ، وهذا المحمل أشد تبكيتاً للمشركين وقطعاً لمجادلتهم ، وقرينة ذلك قوله بعده: {بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا} [الفرقان: 11] ، وهو ضد ومقابل لما أعده لرسوله والمؤمنين.
والقصور: المباني العظيمة الواسعة على وجه الأرض وتقدم في قوله: {تتخذون من سهولها قصوراً} في سورة الأعراف (74) ، وقوله: {وقصر مشيد} في سورة الحج (45) .
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
{بل} للإضراب ، فيجوز أن يكون إضرابَ انتقال من ذكر ضلالهم في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكر ضلالهم في إنكار البعث على تأويل الجمهور قوله: {إن شاء جعل لك خيراً من ذلك} [الفرقان: 10] كما تقدم.
ويجوز أن يكون اضرابَ إبطال لما تضمنه قوله: إن شاء جعل لك خيراً من ذلك على تأويل ابن عطية من الوعد بإيتائه ذلك في الآخرة ، أي بل هم لا يقنعون بأن حظ الرسول عند ربه ليس في متاع الدنيا الفاني الحقير ولكنه في خيرات الآخرة الخالدة غير المتناهية ، أي أن هذا رد عليهم ومقنع لهم لو كانوا يصدّقون بالساعة ولكنهم كذبوا بها فهم متمادون على ضلالهم لا تُقنعهم الحجج.
والساعة: اسم غلب على عالم الخلود ، تسمية باسم مبدئه وهو ساعة البعث.
وإنما قصر تكذيبهم على الساعة لأنهم كذبوا بالبعث فهم بما وراءه أحرى تكذيباً.
وجملة: وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً معترضة بالوعيد لهم ، وهو لعمومه يشمل المشركين المتحدث عنهم ، فهو تذييل.
ومن غرضه مقابلة ما أعد الله للمؤمنين في العاقبة بما أعده للمشركين.