الأول: أن هذا القدر إنما يكفي جواباً عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً} .
البحث الثاني: قال الكسائي: قوله تعالى: {فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً} أي أتوا ظلماً وكذباً وهو كقوله: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} [مريم: 89] فانتصب بوقوع المجيء عليه ، وقال الزجاج: انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور.
البحث الثالث: أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور ، أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم.
الشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: {وَقَالُواْ أساطير الأولين اكتتبها فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} وفيه أبحاث: