ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه ، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد ، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً: {وقالوا} أي الكفار {أساطير} جمع إسطارة وأسطورة {الأولين} من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء {اكتتبها} أي تطلب كتابتها له {فهي} أي فتسبب عن تكلفه أنها {تملى} أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً {عليه} من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ {بكرة} قبل أن ينتشر الناس {وأصيلاً} أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي ، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة ، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه ، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً ، فكيف والبلد صغير ، والرجل عظيم شهير ، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك ، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق ، وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله ، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهو أكثر منه مالاً ، وأعظم أعواناً ، فلا يقدرون.