17] الحصر، بل المراد تكذيب الكفار في أن معبوديهم أضلوهم، وهو حاصل بتنصل المعبودين عن ذلك، والقسمة تقتضي أن الذي أضلهم إما معبودوهم أو أنفسهم، أو الله - عز وجل - مستقلا بإضلالهم كما/ [148 أ/م] تقول الجبرية، أو مشاركا فيه، كما تقول الكسبية؛ وحينئذ لا يتعين ما ذكرتموه من أنهم هم ضلوا بأنفسهم.
فإن قيل: فعلى كل حال لم تقم لهم حجة، ولا أقيم لهم عذر، ولو صح ما ذكرتموه لاحتجوا به والتمسوا العذر ولأغنى عنهم شيئا.
وجوابه: أن هذا لا يلزم؛ لأن الكسبي يقول: قامت الحجة عليهم بكسبهم، والجبري يقول: قامت الحجة عليهم بموجب علمه أن لو فوض إليهم خلق أفعالهم لكانوا كفارا عصاة.
الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) [الفرقان: 20] فيه تصريح بالتسبب إلى إيقاع الفتنة والضلال، ومعناه: جعلنا المرسلين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لنفتن بهم الكفار، ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا، فيخالفونهم، فيكفرون فيعذبهم.
وهذه مقدمات صحيحة يستلزم بعضها بعضا، مستندا ذلك إلى ما فطرهم عليه من الكبر وخلق فيهم من صوارف الإيمان ودواعي الكفر.
{وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً} (23) [الفرقان: 23] سبق معناه في سورة النور عند {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ} (39) [النور: 39] .
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} (25) [الفرقان: 25] فيه دليل على أن السماء والأفلاك تقبل الخرق والالتئام؛ خلافا للفلاسفة، وحجتهم أن حركة الفلك مستديرة والخرق والالتئام إنما يكون بحركة مستقيمة، واجتماعها في موضوع واحد محال؛ ولأن الفلك هو المحدد للجهات، فلو قبل الخرق والالتئام لكان ذلك بحركة قطعا، وتلك الحركة لا بد وأن تكون إلى جهة، ولا جهة وراء محدد الجهات.