وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ لِلْكُفَّارِ.
(قالُوا سُبْحانَكَ)
أَيْ قَالَ الْمَعْبُودُونَ مِنْ دُونَ اللَّهِ سُبْحَانَكَ، أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ (مَا كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ) .
«فَإِنْ قِيلَ» : فَإِنْ كَانَتِ الْأَصْنَامُ الَّتِي تُعْبَدُ تُحْشَرُ فَكَيْفَ تَنْطِقُ وَهِيَ جَمَادٌ؟
قِيلَ لَهُ: يُنْطِقُهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُنْطِقُ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ)
أَيْ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، فَأَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الْعَبِيدِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، وَالْغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُخْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ، فَالْغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالْفَقِيرِ، عَلَيْهِ أَنْ يُوَاسِيَهُ وَلَا يَسْخَرَ مِنْهُ.
وَالْفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِالْغَنِيِّ، عَلَيْهِ أَلَّا يَحْسُدَهُ.
وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ، وَأَنْ يَصْبِرَ كُلُّ واحد منها عَلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ فِي مَعْنَى (أَتَصْبِرُونَ) : أَيْ عَلَى الْحَقِّ.
وَأَصْحَابُ الْبَلَايَا يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ نُعَافَ؟ وَالْأَعْمَى يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كَالْبَصِيرِ؟ وَهَكَذَا صَاحِبُ كُلِّ آفَةٍ.
وَالرَّسُولُ الْمَخْصُوصُ بِكَرَامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأَشْرَافِ النَّاسِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي عَصْرِهِ.
وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ وَحُكَّامُ الْعَدْلِ.
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) .
فَالْفِتْنَةُ أن يحسد المبتلى المعافى.
والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هدا عَنِ الْبَطَرِ، وَذَاكَ عَنِ الضَّجَرِ.
(أَتَصْبِرُونَ) مَحْذُوفُ الْجَوَابِ، يَعْنِي أَمْ لَا تَصْبِرُونَ.
فَيَقْتَضِي جَوَابًا كما قاله الْمُزَنِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَتْهُ الْفَاقَةُ فَرَأَى خَصِيًّا فِي مراكب ومناكب، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الْآيَةَ (أَتَصْبِرُونَ) فَقَالَ: بَلَى رَبَّنَا! نَصْبِرُ وَنَحْتَسِبُ.