قال: ويحتمل أن يكون قولهم: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} أرادوا معشر العبيد لا أنفسهم، أي: إنا وهم عبيدك فكان لا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم - تواضعًا منهم - أضافوا ذلك إلى أنفسهم وعنوهم به، كما يقول الرجل إذا أتى أخوه كبيرةً: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، وهو يعني به غيره، ولهذا الإشكال قرأ من قرأ {أَنْ نَتَّخِذَ} بضم النون.
وهذه القراءة أقرب في التأويل لو صحت.
قوله: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا}
قال الفراء، والزجاج: واحد الأناسي إنسي، مثل: كرسي، وكراسي.
ويجوز أن يكون الأناسي جمع إنسان، وتكون الياء الأخيرة بدلًا من النون.
وإنما قال: كثير، ولم يقل: كثيرون كما قال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] لأنه قد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، نحو قوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] وقد مرَّ. وقوله: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ} [المعارج 11،10] فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة. وذكرنا هذا عند قوله: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 46، 155] . ومثل هذا في هذه السورة قوله: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38] .
قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) }
«فإن قيل» : هل كان يحتاج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يسأل عن الله أحدًا؟
قيل: يحتمل أن يكون الخطاب له، والمراد به غيره. ويحتمل أن يكون كقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} [يونس: 94] وقد ذكرنا ما قيل فيها مستقصى.
وكان ابن جرير، يذهب إلى أن الباء صلة؛ ويقول: المعنى: فاسأله خبيرًا، ويذهب إلى: أن {خَبِيرًا} منصوب على الحال.