ثم وصف اللّه تعالى جهنم بقوله"إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً"66 فبئس الموضع موضعها وبئس المقام مقامها وأنت الضمير لتأويل المستقر بجهنم أو لأجل المطابقة للمخصوص بالذم ، ثم وصف اللّه صدقاتهم فقال"وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا"أي بأن
يتجاوزوا بها قدرتهم أو يعطوها لغير مستحقيها ، فإن هاتين الخصلتين من الإسراف ، فكيف بمن ينفق ماله في معصية اللّه إذا جيء به يوم يؤخذ بالنواصي ، يوم يفوز الطائع ويهلك العاصي ، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ للّه ، أما نفقات الرياء والسمعة فسيأتي ذكرهما في الآية 264 من سورة البقرة في ج 3 إن شاء اللّه"وَلَمْ يَقْتُرُوا"على الفقراء مما أنعم به اللّه عليهم فيعطوهم حقهم وافيا مما افترضه اللّه عليهم لهم وقرئ بكسر التاء مع فتح الياء ، وبضم الياء وكسر التاء ، وبضم الياء وفتح القاف ، وتشديد التاء وكسرها وعلى كل ، فمعنى التقتير التضييق على الفقراء بمنع الحق الذي فرض لهم على الأغنياء"وَكانَ"إنفاقهم"بَيْنَ ذلِكَ"الإسراف والتقتير"قَواماً"67 وسطا وهذا مما يدل على أن الإسراف مجاوزة الحد لأن يصل به إلى حد التبذير ، وبالإقتار التقصير عما لا بد منه حتى يصل إلى منع عيال اللّه وعياله من حقهم ، وهو أوفق لسياق الآية ، ولهذا البحث صلة في تفسير الآيات 26 و31 من سورة الإسراء الآتية والآيات 260 فما بعدها من البقرة ، أخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: من فقه الرجل رفقه في معيشته.